لبنان
ثقافة

زيت الزيتون: سر المطبخ العثماني في إسطنبول وأطباق "زيتينياغليلار" التقليدية

النهار١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٣:٣٠ ص0 مشاهدة
زيت الزيتون: سر المطبخ العثماني في إسطنبول وأطباق "زيتينياغليلار" التقليدية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "زيت إسطنبول!" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في قلب إسطنبول العثمانية، لم يكن زيت الزيتون مجرد مكون غذائي، بل كان رمزاً للمقام والرتبة وفلسفة حياة. فبينما كان الزبد والسمن يتربعان على عرش مطابخ الأناضول الداخلية، كان زيت الزيتون البكر هو السيد المتوج في إسطنبول. منذ فتح القسطنطينية عام 1453، ورث العثمانيون عن البيزنطيين شغفهم بزيت الزيتون، بل نسجوا حوله ثقافة طهوٍ فريدة.

يكشف بحث المؤرخ التركي فاروق دوغان عن الفترة بين عامي 1800 و1920 أن زيت الزيتون لم يقتصر استخدامه على الطعام، بل امتد ليشمل الإنارة وصناعة الصابون. وفي سجلات مطبخ قصر طوب قابي، كان يُعد من المؤن الاستراتيجية، يُجلب من بساتين آيفاليك وإزمير على سواحل بحر إيجة، ومن جزيرة كريت العثمانية. وكان السلاطين يوقفون أراضي الزيتون على المساجد والتكايا، ليصبح الزيت صدقة جارية.

في الأسواق المسقوفة حول المسجد الكبير، كان تجار الزيت يعرضون "زيت العصرة الأولى"، أي البكر الممتاز، بأسعار تفوق ثمن العسل. وكان أهل إسطنبول يميزون بين زيت آيفاليك ذي الطعم العشبي الحاد، وزيت كريت الأكثر نعومة واعتدالاً.

أما في المطبخ، فقد كان صعود زيت الزيتون تدريجياً. توضح مؤرخة الطعام أوزغه سامانجي أن السمن المصفى ظل الدهن الغالب، بينما استخدم زيت الزيتون بدرجة أقل، واكتسب أهمية خاصة لدى المسيحيين خلال أيام الصوم الكبير. وفي مدينة تعايشت فيها جماعات مسلمة ومسيحية ويهودية، انتقلت وصفات الطعام بين البيوت، وأصبحت أطباق المحاشي بالزيت جزءاً من الرصيد المشترك للمائدة. لذلك، يصعب اختزال الأطباق المطهوة بالزيت في حكاية اختراع داخل قصر، فجذورها تمتد إلى المواسم وتقاليد البيوت والصوم.

في عام 1844، ضم كتاب "ملجأ الطباخين" (Melceü’t-Tabbâhîn) لمحمد كامل وصفات للمحاشي بالزيت والسمن. كما كشفت قوائم الولائم في مطلع القرن العشرين، بما في ذلك قائمة عرس عام 1912 وأخرى للهلال الأحمر العثماني، عن حضور الأرضي شوكي (الخرشوف) والفاصولياء بزيت الزيتون.

في قلب هذا التراث، يبرز طبق "زيتينياغليلار" (Zeytinyağlılar)، والذي يعني حرفياً "مطهو بزيت الزيتون". هذه السلسلة من الأطباق تعكس فلسفة طهوٍ كاملة: خضروات تُطهى على نار هادئة جداً بزيت زيتون بكر ممتاز، مع قليل من الماء، ولمسة ملح، وعصير ليمون. لا نار عالية، ولا استعجال. القدر يهمس على الموقد لساعة أو ساعتين.

من أبرز هذه الأطباق:

  • Zeytinyağlı Yaprak Sarması (ورق العنب المحشو بالرز والمطهو بزيت الزيتون): يُرص الورق بعناية في القدر، ثم يُسكب عليه الزيت والماء وعصير الليمون، ويُترك ليغلي برفق حتى ينضج الرز وتذوب ورقة العنب.
  • İmam Bayıldı (إمام فقد رشده): باذنجان مشوي يُحشى ببصل وثوم وطماطم مقلية بالزيت، ويُترك في الفرن ليتشرب النكهات.
  • Zeytinyağlı Taze Fasulye (الفاصولياء الخضراء الطازجة): تُقطع وتُطهى ببطء مع طماطم ناضجة وبصل مكرمل في زيت الزيتون، حتى تكتسب لمعاناً ذهبياً.
  • Zeytinyağlı Barbunya (الفاصولياء الحمراء): تُطهى ببطء في زيت الزيتون مع جزر وبصل، حتى يصبح المرق كثيفاً وناعماً.
  • Zeytinyağlı Enginar (الخرشوف بزيت الزيتون): يُطهى قلب الخرشوف مع بازلاء وجزر وبطاطس في زيت الزيتون وعصير الليمون، وكان يُقدم في قصور السلاطين.

في البيت الإسطنبولي التقليدي، لا تُقدم أطباق "زيتينياغليلار" فور خروجها من النار، بل تُترك لتبرد ثم تُقدم مزينة بشرائح الليمون والبقدونس. وما زالت هذه الأطباق تُقدم في مطاعم إسطنبول الحديثة بنفس الطريقة: باردة، صابرة، متواضعة في مظهرها، وعميقة في جوهرها، مع سخاء في استخدام زيت الزيتون البكر الممتاز، كما كان الحال قبل خمسة قرون.

شارك الخبر: