قطر تنقذ كهرباء لبنان: ما هي التزامات بيروت لإنجاح المشروع الضخم؟


هذا الخبر بعنوان "خطة قطرية لإنقاذ الكهرباء: ماذا سيقّدم لبنان لإنجاح المشروع؟" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لطالما كانت دولة قطر سبّاقة في تقديم الدعم للبنان على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية. وفي قطاع الطاقة تحديداً، تجلّى هذا الدعم في استثمارات قطرية في التنقيب عن الغاز بالشراكة مع شركتي توتال الفرنسية وإيني الإيطالية، بالإضافة إلى حزم مالية لدعم القطاع، كان آخرها إعلان بقيمة 400 مليون دولار في بداية العام الجاري. ولم يقتصر الدعم على ذلك، بل امتد ليشمل عزم قطر على بناء معامل لتوليد الكهرباء بالطاقة الشمسية. وتتجه هذه النوايا نحو التنفيذ عبر مشروع ضخم يهدف إلى تحديث البنية التحتية لقطاع الكهرباء ككل، وليس فقط بناء معامل إنتاج. لكن، في ظل السعي القطري لإنقاذ قطاع الكهرباء اللبناني، يبقى السؤال: ما الذي يمكن للبنان تقديمه لتسهيل هذه الاستثمارات وتحقيق أقصى استفادة من المشاريع المستقبلية؟
من الطاقة الشمسية إلى البنية التحتية المتكاملة
أعلن رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، عن اعتزام بلاده الانخراط في مشروع استثماري ضخم في لبنان لتطوير البنية التحتية لقطاع الكهرباء. وخلال مؤتمر صحافي عُقد في السراي الحكومي بعد لقائه رئيس الحكومة نواف سلام، وصف آل ثاني المشروع بأنه "أحد المشاريع القديمة التي تحدّثت فيها دولة قطر مع لبنان، لسنوات، والآن نرى أن هذا المشروع يقترب من رؤية النور".
وقبل تنفيذ المشروع الضخم، هناك مشاريع مرحلية يمكن البدء بها، منها بناء معامل كهرباء تعتمد على الطاقة البديلة. وفي هذا السياق، كشف آل ثاني عن اتفاق بين دولة قطر وشركة توتال إنيرجي على مشروع تطوير مشترك لمحطة طاقة شمسية كمشروع أولي. هذا التوجه القطري نحو الطاقة الشمسية ليس بجديد؛ ففي عام 2023، عرضت قطر، عبر وزير الدولة لشؤون الطاقة سعد بن شريدة الكعبي، تقديم هبة تتضمن بناء 3 معامل للطاقة البديلة بالشراكة مع توتال، بقدرة نحو 500 ميغاوات، وهو ما يمثل حوالي 25 إلى 30 بالمئة من حاجة لبنان للطاقة. وفي عام 2024، قدّم تحالف توتال وقطر للطاقة رسالة رسمية لرئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي لتطوير مشروع طاقة شمسية كهروضوئية بقدرة 100 ميغاوات، وذلك بعد شراء التحالف تراخيص من شركات حصلت عليها في عام 2022.
أما الخطوة الأكبر، فتمثلت في "مشروع استثماري ضخم يعود بالنفع على الاقتصاد اللبناني، وعلى الشركات والجهات القطرية"، حسب تعبير آل ثاني، وهو مشروع إعادة تأهيل وتطوير وتحديث البنية التحتية لإنتاج الكهرباء في لبنان. وأوضح سلام أن المشروع سيكون مشتركاً بين الحكومتين اللبنانية والقطرية، ولا يقتصر على إنشاء معمل جديد أو معالجة جزئية للمشكلة، بل هو مشروع متكامل يشمل مختلف مصادر إنتاج الطاقة والبنية التحتية، بهدف توفير الكهرباء بصورة أكثر استقراراً وبتكلفة أقل.
سيقوم المشروع وفق سلام على نموذج التصميم والبناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، حيث تتولى جهات قطرية التمويل والتنفيذ والتشغيل دون أن تتحمل الخزينة اللبنانية أي كلفة استثمارية مسبقة. واعتبر سلام أن هذا الأمر "بالغ الأهمية في ظل الظروف المالية التي يمر بها لبنان"، لأنه يتيح تجاوز العقبات التمويلية التي عطلت تنفيذ المشاريع الأساسية في قطاع الكهرباء لسنوات طويلة، والانتقال إلى مسار عملي لمعالجة النقص المزمن في الإنتاج.
العقدة اللبنانية: إصلاحات ضرورية لنجاح المشروع
قرار قطر الاستثمار في قطاع الكهرباء عبر صيغة الـ BOT يعفي لبنان من مسؤولية تأمين التمويل لمشروع ضخم. فبموجب هذه الصيغة، يقوم المستثمر ببناء المشروع وتشغيله ثم إعادته إلى الدولة بعد فترة زمنية متفق عليها (غالباً ما بين 20 و25 سنة). لكن الإعفاء من التمويل لا يعفي لبنان من ضرورة اتخاذ خطوات داخلية أساسية تتعلق بالأطر القانونية والتنظيمية والظروف التشغيلية، والتي لا يمكن للمستثمرين تجاهلها.
تتطلب هذه الخطوات من لبنان وضع قوانين واضحة تحدد مهام الدولة ومؤسسة كهرباء لبنان والهيئة الناظمة للكهرباء، وآليات لمنح التراخيص وتحديد أسعار الخدمات. وهذه المهام تقع في صلب الإصلاحات التي يطالب بها صندوق النقد والبنك الدولي. وعلى صعيد مؤسسة الكهرباء، يجب معالجة الخلل الإداري، وضبط الوضع المالي، وتحسين عملية الفوترة والجباية. فنياً وتقنياً، تحتاج شبكات النقل والتوزيع إلى إعادة تأهيل لضمان قدرتها على نقل الطاقة المنتجة دون هدر، مع ضبط عمليات التعدي على الشبكة.
أما الإصلاح الأبرز، فيتعلق بالتعرفة، حيث يجب على الدولة ضمان وضع تعرفة ملائمة للمواطنين في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. فالمعيار الصحيح هو القدرة على الدفع، مع الأخذ في الاعتبار الدور الاجتماعي للدولة في وصول الخدمة للجميع بغض النظر عن أوضاعهم. وتشكل هذه التحديات "عقدة لبنانية" أمام إنجاح المشروع الاستراتيجي المنتظر.
ولمحاولة تلافي أي عرقلة، "سيعرض المشروع على الحكومة اللبنانية قريباً"، بحسب سلام، الذي أكد على ضرورة التحضير للمشروع بدعم من مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، وفق أعلى معايير الشفافية والحوكمة والجودة المالية. وستمكن الـ IFC لبنان من الحصول على المراجعات القانونية والتنظيمية اللازمة، وإعداد نماذج تعاقدية تحمي حقوق جميع الأطراف، ومساعدة مؤسسة كهرباء لبنان على تحسين أدائها. وعلى الصعيد المالي، توفر الـ IFC استشارات لتحسين الجباية وتقليص الخسائر وضمان الشفافية المالية. الاحتكام إلى الـ IFC يعد مساراً ضرورياً لإعداد الأرضية القانونية والتقنية الملائمة لطمأنة المستثمرين الدوليين، وليس فقط القطريين.
يؤكد أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حرصه على "استمرار المشاريع المشتركة في القطاعات التنموية والتعليم والصحة، ودعم إعادة إنعاش الاقتصاد اللبناني". لكن، إن رفض لبنان إنجاز حصته من الإصلاحات، فلن تكون الأرضية ملائمة لجذب المستثمرين وضخ الأموال في مختلف القطاعات، وليس فقط في قطاع الكهرباء.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد