الأدب في عصر الذكاء الاصطناعي: هل يهدد الإبداع الإنساني أم يثريه؟


هذا الخبر بعنوان "الأدب في عصر الـ AI: الإنسانية في مواجهة مُنتِج الركاكة" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في بداية مسيرتها الأكاديمية، تساءلت الناقدة والكاتبة نهاد صليحة أستاذها رشاد رشدي: "لماذا ندرس الأدب؟"، فأجابها باختصار: "لأنه سيجعلك شخصاً أفضل". هذه الحكاية، التي روتها ابنتها الكاتبة والمترجمة سارة عناني، كانت محور ندوة نظمها قسم اللغة الإنجليزية وآدابها بكلية الآداب جامعة القاهرة. الندوة، التي شارك فيها أساتذة وكتاب بارزون، تناولت السؤال نفسه في ظل التحولات الراهنة: لماذا ندرس الأدب في عصر الذكاء الاصطناعي؟
الروائية مي التلمساني اقترحت أن يكون عنوان الندوة "الأدب في مواجهة الذكاء الاصطناعي"، مشيرة إلى المواجهة المستمرة مع التطورات الهائلة في علاقتنا بالإنترنت. فما كان يُعتبر تحدياً في الماضي، مثل الاعتماد على ويكيبيديا، أصبح أمراً بسيطاً مقارنة بما يواجهه الأساتذة الآن في تدريس الأدب والفنون. ترى التلمساني أن هذه المواجهة حقيقية وصعبة، لكنها لا تعتبرها تهديداً كبيراً بقدر ما تسعى لفهمها. وتفكر في كيفية تحويل الذكاء الاصطناعي إلى مساعد شخصي للطلاب والأساتذة، مع وضع حدود واضحة لاستخدامه.
أكدت التلمساني أن النقاش حول دور الذكاء الاصطناعي في الأدب أصبح قضية دولية، وهو ما لمسته من ناشرتها أميرة أبو المجد العائدة من معرض فرانكفورت للكتاب. رغم النقاشات الواسعة حول الذكاء الاصطناعي في المعرض، لا توجد سياسات واضحة تحكم هذه المسألة. وأشارت إلى واقعة الكاتب الهايتي ثيليسون أوريليان، الذي اتُهم باستخدام الذكاء الاصطناعي في روايته واستُبعد من جائزة غونكور، كمثال على التحديات القائمة. فالذكاء الاصطناعي قادر على توليد وإنتاج كل شيء تقريباً، لكن تنظيم الحقوق والسيطرة على هذه المنتجات وإيجاد أطر قانونية لها يمثل صعوبة بالغة.
في حين تعمل الجامعات على تلقي الأدب وتحليله ونقده، أصبحت مسألة إنتاجه نقطة حيوية. ترى التلمساني أنه لم يعد ممكناً الاكتفاء بالتحليل النقدي التقليدي دون الأخذ في الاعتبار التطورات الجديدة. ولذلك، تسعى لتطوير علاقتها بالذكاء الاصطناعي في التدريس، حيث لا تمنع طلابها من استخدامه، بل تطلب منهم شرح كيفية استخدامه، ويتم التقييم بناءً على ذلك. استعانتها بمنهجيات العلوم الرياضية، التي تُقيّم العمل بناءً على الطريقة والنتيجة معاً، ساعدها في تطوير أساليب تقييم جديدة. فالطالب مطالب بإثبات منهجيته وشرح خطواته، حتى لو استعان بالذكاء الاصطناعي، مما ينمي لديه مهارات الكتابة والتفكير النقدي.
تشير التلمساني إلى اتجاه عالمي لتقليص حضور الأدب في التعليم، مما يستدعي ليس فقط لفت أنظار صناع القرار لأهميته، بل أيضاً اجتذاب المزيد من الطلاب إليه. وفي الوقت نفسه، يجب عدم إغلاق الباب أمام المنهجيات الجديدة. تتبنى فكرة التقييم المستمر من خلال ممارسة أشكال مختلفة من التحليل، مثل كتابة يوميات الطلاب بعد كل محاضرة، وتقديم عروض نابعة من تجربتهم الشخصية، وتقديم مسودات المشاريع. هذه الممارسات تهدف إلى تنمية مهارات الطالب وصقلها في الكتابة والتحليل والأخلاقيات المرتبطة بهما.
الكاتبة والمخرجة نهى عادل عبرت عن انزعاجها من الذكاء الاصطناعي، مؤكدة عدم لمسها لأي أثر إيجابي له على المستوى الأدبي أو الروائي حتى الآن. استغربت المستوى الرديء للسيناريوهات المشاركة في مسابقة للسيناريوهات، واكتشفت لاحقاً أن غالبيتها مكتوبة بالذكاء الاصطناعي، مما عمّق خوفها مما هو قادم. ترى أن الكتابة مسألة شديدة الخصوصية، وأن فيلمها "دخل الربيع يضحك" كان نتاج تراكمات شخصية كبيرة ودراسة الأدب والشعر، ولا يمكن للذكاء الاصطناعي محاكاة ذلك.
المترجمة والناقدة منى النموري قدمت مزيجاً من تجربتها الشخصية ونقاش دار مع أعضاء قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب، جامعة طنطا. أشارت إلى أن السؤال "لماذا ندرس الأدب في عصر الذكاء الاصطناعي؟" كشف عن توتر حقيقي، رغم استمرار الجميع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. عبرت عن مخاوف من إنتاج الذكاء الاصطناعي مقارنة بما ينتجه البشر. إحدى المعيدات ترى أن صلاحية استخدام الذكاء الاصطناعي تتوقف على البشر أنفسهم، وأن مراكز البيانات تستهلك كميات هائلة من المياه والطاقة، مما يجعله أقرب إلى النقمة منه إلى النعمة.
في المقابل، يرى أحد المعيدين أن الأدبيات التي تبقى تستمر لما تنطوي عليه من معرفة عميقة بسيكولوجية البشر أو رؤية جديدة لموضوع فلسفي، وهو ما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي محاكاته. ومع ذلك، يعترف بأن أعمالاً أدبية تُكتب حالياً بالذكاء الاصطناعي تحظى بقاعدة جماهيرية، لكنها تظل في نطاق الكتابة التجارية. رأي آخر ينطلق من الخوف من عدم التمييز بين ما تنتجه الآلة والإنسان، وهو ما يحدث بالفعل بدليل الفضائح التي تلاحق بعض الكتاب. ومع ذلك، يؤمن بأن الآلة لن تتغلب على الإنسان.
يشارك آخر بأن الذكاء الاصطناعي لا يشكل تهديداً بقدر ما يفرض إعادة النظر في طرائق تدريس الأدب وممارسته وتلقيه. يدعو إلى تنمية التفكير النقدي، وتعميق الحوار، وإعادة توجيه القراءة نحو التذوق الجمالي والتعاطف الإنساني، بدلاً من استهلاك الملخصات الآلية. ويرى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون مساعداً ذكياً لدارسي الأدب ومدرسيه، يوفر وقتاً طويلاً في البحث عن نصوص بعيدة ثقافياً، مما يتيح التركيز على تدريس الأدب كوسيلة لتعميق فهمنا للنفس البشرية وتجربتنا الإنسانية.
إحدى المشاركات أرسلت مقالاً علمياً يتناول احتمال تدهور أداء نماذج الذكاء الاصطناعي بمرور الوقت إذا أصبحت تتدرب على محتوى أنتجته بنفسها، وهي ظاهرة تُعرف بـ"انهيار النموذج" أو "تسمم بيانات التدريب".
في ختام الندوة، أكدت النموري أن درس الأدب وتدريسه وكتابته وترجمته ومناقشته في عصر الذكاء الاصطناعي أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنه يمثل وسيلة أساسية للحفاظ على البصمة الإنسانية في الإنتاج البشري. تواجه هذه الأقسام تحدياً ليس فقط مع الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مع الأنظمة التعليمية التي تسعى إلى تحجيم العلوم الإنسانية. تدعو إلى تطوير أقسام اللغات والمناهج التي تتناول الأدب، والتأكيد على اختلاف القراءة الأدبية عن أي شكل آخر من أشكال القراءة، حيث أن التجربة الشعورية للقارئ جزء أصيل من غاية القراءة نفسها.
قدمت النموري تجربة عملية لاختبار قدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة نص أدبي، حيث عرضت نصين، أحدهما لها والآخر مولّد بالذكاء الاصطناعي، وطلبت من الحضور تحديد أيهما بشري وأيهما مولّد. لاحظت التشابه الكبير في الأسلوب، وأشارت إلى أن المعضلة تكمن في عدم قدرتنا على التراجع عن استخدام الذكاء الاصطناعي. السؤال الأهم الآن ليس لماذا ندرس الأدب، بل ماذا نحن فاعلون للحفاظ على إنسانيتنا؟
مي التلمساني علقت بأن كل الوسائل للكشف عن دور الذكاء الاصطناعي في الكتابة لم تنجح، وأن الذكاء الاصطناعي قادر على خلق جمهور مستعد لقبول أي نص، حتى لو كان ركيكاً. الكاتبة سحر الموجي تساءلت عن رحلة الكاتب الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي وكيف يعيش مع نفسه. الدكتور خيري دومة يشعر بأن الذكاء الاصطناعي يقف على النقيض من الأدب، وأن الذاتية في الأدب ستظل عصية عليه، مقارناً تأثيره بجائحة كورونا، حيث قد ينتهي الأمر باستخدامه على نحو يشبه الآلة الحاسبة دون إحداث تغيير جذري.

تكنولوجيا
ثقافة
ثقافة