الدراما العربية تراهن على «الميكرودراما»: هل تنجح في جذب الجمهور أم تعكس أزمة أفكار؟


هذا الخبر بعنوان "الدراما العربية تختبر قصصاً قصيرة لشاشات الهواتف...هل تعيش؟" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد سنوات من سيطرة المسلسلات الطويلة، تشهد الدراما العربية تحولاً نحو الأعمال القصيرة، بدءاً من مسلسلات الـ15 حلقة وصولاً إلى «الميكرودراما» ذات الحلقات الدقائقية. يأتي هذا التحول وسط انتقادات مستمرة للنصوص الدرامية بسبب إطالة الأحداث وتكرار الصراعات وضعف الحبكات. يثير ظهور «الميكرودراما» تساؤلات حول ما إذا كان يمثل تطوراً في الكتابة الدرامية واستجابة لتغير عادات المشاهدة، أم أنه محاولة لتعويض أزمة الأفكار بإيقاع أسرع ومساحات سردية أضيق.
ترى المخرجة رندة علم الدين أن «الميكرودراما» مصممة للعرض على الهواتف والمنصات الرقمية، وتتميز بحلقات قصيرة لا تتجاوز مدتها بضع دقائق، لتناسب طبيعة المشاهدة السريعة. وتوضح أن مجموع حلقات العمل يعادل حلقة تلفزيونية واحدة من مسلسل عادي. يتغير أيضاً بناء النص والإيقاع والموضوع، حيث تركز هذه الأعمال على مواضيع تتناسب مع طبيعة القالب وسرعة تلقيه، مع جعل التشويق عنصراً أساسياً، إذ تنتهي كل حلقة عند نقطة ذروة تدفع المشاهد لمتابعة الحلقة التالية.
وتشير علم الدين إلى أن التعلق بالشخصيات ليس شرطاً أساسياً للاستمتاع بالعمل الفني، خاصة مع تغير أنماط مشاهدة المسلسلات الطويلة، حيث يميل المشاهدون إلى الوصول مباشرة للأحداث الأساسية. تعتمد «الميكرودراما» على تقديم القصة من خلال الأحداث المحورية، بدلاً من التوسع في تفاصيل مسارات الشخصيات. الرسالة ليست الهدف الأساسي، بل التسلية هي الغاية الأولى، بما يتناسب مع طبيعة المشاهدة السريعة.
لا يعني دخول المنصات العربية هذا المسار توقف الدراما التقليدية، بل يعكس ظهور نمط إنتاجي ومشاهدة إضافي يواكب التحولات في استهلاك المحتوى. وتؤكد علم الدين أنها أنجزت 11 عملاً من هذا النوع، عُرضت على منصة «سين» اللبنانية، وهي من أوائل المنصات التي خاضت تجربة «الميكرودراما». ومن بين الأعمال التي حظيت بالانتشار مسلسل «تيك تاك» لسيرين عبد النور.
تختلف «الميكرودراما» إخراجياً عن المسلسلات التقليدية، بدءاً بطريقة التصوير واختيار الكادر وحركة الممثلين، لأن الصورة مهيأة لشاشة الهاتف. يتطلب هذا أسلوباً إخراجياً مختلفاً يراعي طبيعة الشاشة. إنتاجياً، توفر «الميكرودراما» المال من بعض النواحي، لكنها تتطلب أيضاً إنفاقاً ملحوظاً بسبب كثافة الأحداث وتعدد مواقع التصوير.
تستهدف «الميكرودراما» شريحة الشباب، لكن علم الدين تتوقع أن يحمل التفاعل مع هذا النوع مفاجآت تتجاوز التوقعات. يطرح انتشارها تساؤلات حول طبيعة المحتوى والفرق بين مادة سريعة الاستهلاك وعمل درامي مؤثر.
يقول الكاتب مروان قاووق إن «الميكرودراما» نجحت في استقطاب المتابعين، لكنها تبقى أقرب إلى المحتوى التسويقي منها إلى الفن الدرامي. ويرى أن الانتشار التجاري لا يعني بالضرورة تجربة درامية متكاملة. يربط قاووق هذا التحول بأزمة أوسع تطاول صناعة الدراما العربية وندرة النصوص الجيدة، لكنه يضع أزمة الإنتاج في مقدمة الأسباب، مشيراً إلى أن الأعمال القصيرة تحتاج إلى ميزانيات أقل.
ينتقد قاووق غياب المساحة اللازمة لبناء الشخصيات وتطور الأحداث في «الميكرودراما»، لأن المشهد القصير يقدم معلومة أو حادثة وينتقل سريعاً. يميز بين التسلية والدراما، موضحاً أن المحتوى السريع قد ينجح في شد الانتباه وتحقيق المشاهدات، لكن ذلك لا يضمن بقاء الحكاية في الذاكرة. لا يرفض قاووق كافة أشكال المحتوى القصير، فهو يكتب «الاسكتشات» التي تتضمن حكاية وشخصيات وأحداثاً مترابطة.
لا يرى قاووق في انتشار «الميكرودراما» نهاية للمسلسل الطويل، رابطاً الموجة الحالية بما يجري في هوليوود. الأعمال الكوميدية الصامتة، مثل تجاربي «مستر بين» وتشارلي شابلن، لا تعتمد على قصر المدة فقط، بل على الأداء وتكوين الموقف. لذلك، لا يكفي أن تستعير «الميكرودراما» شكل المحتوى السريع حتى تحقق القيمة نفسها، ويبقى التطوير في الحكايات والشخصيات والأفكار شرطاً أساسياً لاستمرارها.
الممثل باسم مغنية يرى أن «الميكرودراما» تمثل شكلاً درامياً يواكب العصر ويتلاءم مع اهتمامات الشباب. ورغم تحفظه على قدرتها على تقديم أعمال متكاملة على مستوى النص والإخراج والأداء، يأمل أن يتطور هذا القالب. يعتبر مغنية أن التشويق والكتابة الجيدة عنصران متكاملان، وليس أحدهما بديلاً للآخر، وينبغي لإثارة اهتمام الجمهور أن تستند إلى حبكة قوية. يؤكد أن ظهور «الميكرودراما» لن يؤدي إلى تراجع الدراما العربية التقليدية، كونه نمطاً إضافياً وجد مكانه عبر المنصات الرقمية.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة