أوروبا على مفترق طرق: تحديات الهوية والعقد الاجتماعي في عالم متغير


هذا الخبر بعنوان "أوروبا... المأزق الاجتماعي والهاجس الهوياتي!" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتجه أوروبا نحو اختبار مصيري لهويتها السياسية وعقدها الاجتماعي ومكانتها الجيو-سياسية في ظل نظام دولي تتزعزع فيه أسس الاستقرار. ما يبدو كصعود لليمين القومي وتراجع لليسار التقليدي وارتباك للقوى الوسطى، يكشف عن تحول أعمق في البنية النفسية للمجتمعات وعلاقة المواطن بالدولة، والانتماء الوطني بالمشروع الأوروبي. يتجدد السؤال حول قدرة الديمقراطية على حماية نفسها وآليات دولة القانون على الصمود أمام نزعات سياسية تستغل القلق الاجتماعي والهاجس الهوياتي في صراع على السلطة يتجاوز الانتخابات ليعيد تعريف الشرعية.
بعد دمار الحربين العالميتين، أسست أوروبا تجربة سياسية رائدة جمعت بين السيادة الوطنية والتكامل الإقليمي، واقتصاد السوق والعدالة الاجتماعية، والخصوصيات الثقافية والمواطنة الدستورية. كانت دولة القانون ضمانة للانتقال من منطق الغلبة إلى التعددية، ومن صراع القوميات إلى التعاون المؤسسي، ومن التفاوت الطبقي إلى بناء شبكات الحماية الاجتماعية. إلا أن هذا الإنجاز الحضاري الذي رسخ شرعية المشروع الأوروبي لعقود، يواجه اليوم تصدعات متراكمة بفعل التحولات الاقتصادية والديموغرافية والأمنية، مما يولد شعورًا متزايدًا بأن المؤسسات التي نجحت في حماية الحاضر لم تعد قادرة على ضمان المستقبل بنفس الفاعلية.
تكمن الإشكالية في أن الأزمة الأوروبية لم تعد محصورة في قدرة الحكومات على إدارة النمو والبطالة والتضخم والهجرة، بل امتدت لتشمل قدرة الدولة على إعادة بناء الثقة بشرعيتها الاجتماعية، وقدرة الاتحاد الأوروبي على الموازنة بين أولويات السيادة الوطنية وموجبات التضامن المؤسسي. المواطن الذي يعاني من تراجع قدرته الشرائية، وارتفاع تكاليف السكن، وتآكل ضمانات الاستقرار المهني، وتفاوت فرص أبنائه في التعليم والعمل، لا يفصل بالضرورة بين هذه الاختلالات والتحولات الثقافية والديموغرافية المحيطة به. وهكذا تتداخل الأزمة المعيشية مع القلق الهوياتي، ويتحول الشعور بفقدان الأمان الاجتماعي إلى خشية من فقدان المكانة والانتماء، مما يمنح الخطابات السياسية التي تعد باستعادة السيطرة والسيادة والحدود قدرة استثنائية على التعبئة.
في القراءة السيكولوجية لهذا التحول، تبرز مسألة الحرمان النسبي كأحد المفاتيح التفسيرية للسلوك الانتخابي الذي لا يمكن اختزاله بالمؤشرات الاقتصادية. فقد يشعر المواطن بالتراجع حتى لو تحسن مستوى معيشته مقارنة بالأجيال السابقة، خاصة عند مقارنة وضعه بما يعتبره حقًا مكتسبًا، أو عندما يعتقد أن أبناءه لن يبلغوا مستواه الاجتماعي. يتفاقم هذا الشعور عندما تتراجع قدرة الأحزاب التقليدية والنقابات والمؤسسات الوسيطة على ترجمة المطالب إلى سياسات ملموسة، مما يجعل الانتماء إلى جماعة قومية أو ثقافية أكثر جاذبية من الانتماء لمشروع اجتماعي فقد قدرته على الإقناع. هنا، تتحول الهوية من عنصر تكويني إلى أداة سياسية لتعويض فقدان الثقة، ويصبح الخوف من الآخر تعبيرًا عن خوف أعمق من المستقبل.
على هذه الأرضية، يتشكل الصراع بين اليمين واليسار على السلطة، وهو صراع يتجاوز التنافس على الأكثريات البرلمانية إلى التنافس على تعريف الدولة والمجتمع والمصلحة العامة. يعيد اليمين القومي، بتياراته المختلفة، الاعتبار لمفاهيم السيادة والحدود والهوية التاريخية، ويربطها بحماية الأمن والاستقرار الاجتماعي. في المقابل، تواجه القوى اليسارية تحدي استعادة موقعها التقليدي في الدفاع عن الطبقات العاملة والفئات المتوسطة، بعد تراجع قدرتها على التوفيق بين العدالة الاقتصادية والتحولات الثقافية المصاحبة للعولمة. أما القوى الوسطية والليبرالية والمحافظة التقليدية، فتجد نفسها أمام معضلة الحفاظ على التوازنات الدستورية والتكامل الأوروبي، في وقت تتراجع فيه جاذبية الخطاب الإصلاحي التدريجي أمام الوعود السياسية الحاسمة.
لم تعد الحدود الفاصلة بين اليمين واليسار واضحة في جميع الملفات، حيث تتقاطع تيارات من الطرفين في نقد العولمة الاقتصادية، والاعتراض على اختلالات توزيع الثروة، والمطالبة بحماية الإنتاج الوطني، وإن اختلفت في تحديد أسباب الأزمة وسبل معالجتها. كما يتوزع اليمين الأوروبي بين محافظين دستوريين، وقوميين سياديين، وتيارات شعبوية راديكالية، بينما يتوزع اليسار بين اجتماعيين ديمقراطيين، وتقدميين، وتيارات راديكالية. من الخطأ المنهجي وضع هذه القوى في تصنيف واحد، فالمعيار الحاسم يبقى مدى التزام كل منها بالتداول الديمقراطي، واستقلال القضاء، والمساواة أمام القانون، وحماية الحريات العامة، واحترام التعددية السياسية.
تقدم فرنسا نموذجًا متقدمًا لهذا التصدع، حيث تتداخل أزمة التمثيل السياسي مع التوترات الاجتماعية والهوياتية، وتتحول العلمانية الجمهورية إلى ساحة للتنافس على تفسير حدود الانتماء والمواطنة. يستثمر اليمين القومي المخاوف المرتبطة بالهجرة والأمن والتحولات الثقافية، بينما يواجه اليسار تحدي بناء مشروع اجتماعي يستوعب الطبقات الشعبية دون اختزال الهوية بالمقاربات الثقافية وحدها. تبدو القوى الوسطية أمام اختبار استعادة شرعية الأداء الحكومي والمؤسسي. وتكشف الحالة الفرنسية أن استدعاء الجمهورية في الخطاب السياسي لا يكفي لضمان رسوخ قيمها، ما لم تقترن المساواة الدستورية بسياسات فعلية تكافح التفاوت الاجتماعي والمناطقي، وتمنع تحول الانتماءات الدينية والثقافية إلى حدود فاصلة.
في ألمانيا، يحمل الصعود الانتخابي لحزب
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة