لبنان
ثقافة

من تمجيد الأسد إلى حذف الموناليزا: أي مدرسة تنتظر السوريين؟

المدن٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٢٢ م0 مشاهدة
من تمجيد الأسد إلى حذف الموناليزا: أي مدرسة تنتظر السوريين؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من تمجيد الأسد إلى حذف الموناليزا: أي مدرسة تنتظر السوريين؟" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في ذكريات طفولتي، أستيقظ في السادسة صباحاً وأرتدي بذلة عسكرية بلون "الكاكي"، وأتساءل عن سبب فرض لون وشكل ملابسي. تتبدد هذه الأسئلة في باحة المدرسة حيث نصطف في طقوس صباحية ونردد أناشيد تمجّد الرئيس حافظ الأسد. في الصف، تعلق صورته إلى جانب العلم الوطني. في أحد الأيام، طُلب مني التوقيع على استمارة انتساب لحزب البعث قسراً، فرفضت، مما أدى إلى فصلي من المدرسة حتى أتراجع، دون فهم ماهية الحزب أو سبب الانضمام الإجباري، خاصة وأنني من عائلة شيوعية. كنت أحاول حفظ ما ورد في كتاب التربية القومية، لكن ذاكرتي عجزت عن استيعاب عبارات لا أفهمها ولا أؤمن بها، ومع ذلك، كان عليّ حفظها لأن المادة إلزامية والرسوب فيها يعني الرسوب في العام الدراسي. كنت أردد الكلمات كالببغاء، وأحلم بالتحرر.

المدرسة في خدمة السلطة

كان التحرر من هذا الواقع مستحيلاً في ظل عقود من توظيف التعليم لترسيخ أيديولوجيا حزب البعث، الذي وصل إلى السلطة عام 1963، قبل أن يرسّخ حافظ الأسد حكمه عام 1970. لم تكن المدرسة مؤسسة منفصلة عن المشروع السياسي للدولة؛ فنصت المادة الحادية والعشرون من دستور عام 1973 صراحةً على أن النظام التعليمي يهدف إلى إعداد جيل عربي قومي اشتراكي يؤمن بأهداف الوحدة والحرية والاشتراكية، وهي الشعارات التي كنا نرددها كل صباح. تحولت أيديولوجيا الحزب الحاكم إلى مرجعية رسمية للتربية والتعليم، بدلاً من أن تكون مجرد اتجاه فكري يمكن للتلاميذ التعرف إليه ومناقشته. انعكس هذا التوجه في كتب التربية القومية والتاريخ واللغة العربية، وفي الاحتفاء بالحركة التصحيحية وإنجازات القيادة، وفي الحضور المتكرر لصورة الرئيس وأقواله داخل المؤسسات التعليمية، حتى إن الرحلات المدرسية لم تخلُ من الأناشيد التي تمجّد "القائد الخالد". عززت منظمتا طلائع البعث واتحاد شبيبة الثورة ارتباط الأنشطة المدرسية بالتنشئة السياسية، فأصبحت مفاهيم الانتماء الوطني والولاء للقيادة والحزب متداخلة في الخطاب التعليمي الرسمي. استمرت السردية الرسمية ذاتها في عهد بشار الأسد، رغم إدخال تحديثات تربوية، بقيت المؤسسة التعليمية خاضعة لتوجهات السلطة السياسية. كانت المشكلة تتعلق بمن يمتلك سلطة تفسير التاريخ، وتحديد معنى الوطنية، ورسم الحدود المقبولة للنقاش داخل المدرسة. مع اندلاع الاحتجاجات عام 2011، انقسمت البلاد سياسياً وجغرافياً، وظهرت مناهج مختلفة، بينما استمرت الكتب الرسمية في تقديم الأحداث من منظور السلطة السابقة.

إزالة الأيديولوجيا أم استبدالها؟

بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، واجهت الإدارة الجديدة إرثاً تعليمياً مرتبطاً بالنظام السابق. كان حذف صور الأسد وشعارات حزب البعث والمحتويات التي تمجّد السلطة السابقة خطوة مفهومة في سياق التحول السياسي. لكن القرارات الأولى لوزارة التربية في كانون الثاني 2025 شملت إلغاء مادة التربية الوطنية، وتعديل توصيف الفترة العثمانية من "الاحتلال" إلى "الحكم"، وإجراء تغييرات في نصوص دينية وتاريخية وعلمية وفلسفية، ما أثار اعتراضات وتساؤلات. بدا أن نطاق التعديلات يتجاوز إزالة الرموز السياسية للنظام السابق، ليمتد إلى مضامين تتصل بالتاريخ والدين والعلوم وصورة المجتمع. يظهر فارق جوهري بين عمليتين: مراجعة المناهج لتنقيتها من الدعاية السياسية، وإعادة صياغتها وفق المرجعية الفكرية للسلطة الجديدة. الأولى ضرورة تعليمية، أما الثانية فتستدعي نقاشاً مجتمعياً واسعاً. لا يمكن التعامل مع جميع التعديلات بالمعيار نفسه؛ فحذف صورة مرتبطة بتمجيد الأسد يختلف عن إزالة لوحة فنية عالمية أو صورة منحوتة أثرية، كما أن إعادة تقييم رواية تاريخية تختلف عن استبعاد موضوع يتناول المشاركة الديمقراطية.

الحجاب والموناليزا

أثارت التعديلات التي أدخلتها السلطات السورية الجديدة على الكتب المدرسية أسئلة تتجاوز حذف الصور وتغيير النصوص، لتصل إلى دور المدرسة في بناء الهوية الوطنية، وحدود تدخل السلطة السياسية في تشكيل وعي الأجيال. اختفاء صورة الموناليزا من كتاب التاريخ السوري للصف السابع لم يكن حدثاً تعليمياً كبيراً في ظاهره، لكن اكتشاف حذفها بالتزامن مع إزالة صور منحوتات أثرية، وتعديل ملابس شخصيات نسائية، واستبعاد دروس تتناول المواطنة والمشاركة الديمقراطية، نقل النقاش إلى سؤال أوسع: أي صورة عن سورية والعالم تسعى المناهج الجديدة إلى تقديمها للتلاميذ؟ شملت التعديلات استبدال صور فتيات بصبيان، وإضافة الحجاب إلى شخصيات نسائية، وحذف صورة الموناليزا دون وضع صورة بديلة. طالت التعديلات كتاب الدراسات الاجتماعية للصف السادس، حيث حُذفت موضوعات متصلة بالحياة السياسية والإدارة المحلية والمواطنة والإعلام والمشاركة الديمقراطية. أثار تعديل صور النساء وإضافة الحجاب إليها جدلاً، بعدما أظهرت المقارنات أن بعض التغييرات أُجريت على الرسوم الأصلية باستخدام برامج تعديل الصور. ظهرت شخصية طبيبة محجبة في إحدى صفحات الكتاب، بينما تظهر الشخصية نفسها دون حجاب في صفحة أخرى، في تناقض بصري يطرح تساؤلات عن المعايير الفنية والتربوية. ربما تعكس هذه التعديلات محاولة لتفضيل نموذج اجتماعي بعينه على حساب التنوع الثقافي والاجتماعي السوري. في المقابل، رأى مدافعون عن إدراج صور المحجبات أن حضور الحجاب في الكتب المدرسية يعكس جانباً من الواقع الاجتماعي والثقافي والديني في سورية. الخلاف لا يتعلق بالحجاب بحد ذاته، بل بطريقة تمثيل المرأة، وما إذا كانت الكتب المدرسية تفسح المجال لصور متعددة تعكس الاختلافات القائمة بالفعل بين النساء السوريات. السؤال ليس ما إذا كان ينبغي أن تظهر المرأة المحجبة في الكتب، وإنما ما إذا كانت المناهج تعكس تنوع النساء السوريات. وينطبق الأمر نفسه على الفنون والتراث، فحذف صورة أورنينا، المرتبطة بحضارة ماري السورية، يثير تساؤلاً عن مكانة التراث السوري القديم في التعليم. أما حذف موضوعات المواطنة والمشاركة الديمقراطية، فيستحق مراجعة أكثر عمقاً. صحيح أن مادة التربية الوطنية في عهد البعث كانت محمّلة بمضامين دعائية، لكن إلغاءها لا يعالج تلقائياً الحاجة إلى تعليم الأطفال مبادئ الدستور والمؤسسات والحقوق والحريات والمسؤولية العامة. التحدي اليوم يتمثل في تقديم مفهوم مختلف للمواطنة، يقوم على الانتماء إلى الدولة والمساواة أمام القانون. هذه الوقائع تفتح باباً مشروعاً لمساءلتها تربوياً؛ فاختيار ما يراه الطفل وما يقرأه وما يغيب عن معرفته ليس تفصيلاً محايداً بالضرورة. فما المعايير التي تحدد حذف صورة فنية أو إبقاءها؟ ومن يقرر كيفية تمثيل النساء في المناهج؟ وكيف تُراجع الكتب علمياً وتاريخياً؟ وهل تُنشر أسماء أعضاء لجان التأليف ومحاضر اجتماعاتها وأسباب قراراتها؟ وما الآليات المتاحة للاعتراض على محتوى يرونه غير دقيق أو غير مناسب؟

أي مدرسة لسورية المقبلة؟

منذ وصول البعث إلى السلطة عام 1963، عرفت المدرسة السورية علاقة وثيقة بالسياسة، بلغت حد تحويل بعض المناهج إلى وسيلة لإعادة إنتاج الرواية الرسمية للدولة. اليوم، مع تبدل السلطة، تتاح فرصة لإعادة النظر في هذه العلاقة من أساسها. المدرسة التي يحتاجها السوريون ليست تلك التي تستبدل صورة حاكم بصورة أخرى، أو تقدم رؤية سياسية أو اجتماعية واحدة بوصفها الحقيقة الوحيدة، وإنما المدرسة التي تمنح الطفل أدوات المعرفة والتفكير النقدي، وتساعده على فهم تاريخ بلاده بتعقيداته، واحترام اختلاف مواطنيها، والتمييز بين الانتماء إلى الوطن والولاء للسلطة. قد تختفي الموناليزا من صفحة، وقد تتغير صور وشعارات كثيرة مع تعاقب الطبعات، لكن ما يستحق المتابعة يتجاوز هذه التفاصيل إلى السؤال عن طبيعة المعرفة التي ستبقى. فهل تستطيع سورية الانتقال من تعليم يصوغ المواطن وفق أيديولوجيا الحكم إلى تعليم يمنحه القدرة على التفكير والمساءلة والاختيار؟ ربما يكون الجواب عن هذا السؤال أحد الاختبارات المهمة لنجاح الإصلاح التربوي، وللقدرة على بناء مؤسسات وطنية تتجاوز الأشخاص والسلطات المتعاقبة.

شارك الخبر: