تجمعات إيران المستمرة: لماذا يبقي النظام أنصاره في الشارع بعد خمسة أشهر من الحرب؟


هذا الخبر بعنوان "5 أشهر من التجمعات في إيران: لماذا يريد النظام إبقاء أنصاره في الشارع؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتواصل التجمعات الليلية في إيران منذ أكثر من خمسة أشهر، حتى بعد وقف الحرب. يثير هذا الوضع تساؤلات حول دوافع النظام لإبقاء أنصاره في الشارع، وعلاقة ذلك بمخاوف عودة الاحتجاجات.
منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير 2026، شهدت الساحات الرئيسية في المدن الإيرانية تجمعات ليلية مؤيدة للنظام، رفع فيها المشاركون الأعلام الإيرانية وأعلام "حزب الله"، معلنين دعمهم لمواصلة المواجهة مع أميركا وإسرائيل. خلال الأربعين يوماً الأولى من العمليات العسكرية، كان الحضور أكبر وامتدت مظاهر التأييد إلى مواكب سيارات تجوب الشوارع. لكن التجمعات استمرت بعد إعلان وقف إطلاق النار في 8 نيسان/أبريل، واكتسبت طابعاً عقائدياً وسياسياً، حيث وصفها الإعلام الرسمي بـ"تجمع الأمة المبعوثة ليلاً"، وهي عبارة مستقاة من خطاب للمرشد الأعلى الراحل علي خامنئي. خلال شهري محرم وصفر، تحولت هذه التجمعات إلى مجالس عزاء على خامنئي، وبرز فيها شعار "يا لثارات الخامنئي".
لماذا بقي الشارع مهماً؟
برر مسؤولون إيرانيون استمرار التجمعات بالحديث عن أربعة ميادين للمواجهة: القتال، الدبلوماسية، إدارة احتياجات السكان، والشارع. ترى السلطات ضرورة إبقاء الشارع تحت سيطرة مؤيديها. وتعود أهمية الشارع إلى الاحتجاجات التي سبقت الحرب بنحو 50 يوماً، حين خرج معارضو النظام إلى الشوارع في كانون الثاني/يناير، وفوجئت المؤسسات العسكرية والأمنية والشرطية بحجم التحركات، مما أسفر عن سقوط آلاف القتلى.
بعد تلك الأحداث، تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن احتمال عودة الإيرانيين الغاضبين إلى الشوارع في حال تعرض إيران لهجوم عسكري. وخلال الأربعين يوماً الأولى من الحرب، استهدفت ضربات أميركية وإسرائيلية مقار عسكرية وشرطية وأمنية داخل إيران، مما ضاعف مخاوف السلطات ودفعها إلى التعامل مع الشارع كساحة للدفاع عن النظام.
وكشف رئيس مجلس الشورى الإسلامي محمد باقر قاليباف الأسبوع الماضي، أن فكرة دعوة الناس إلى الشوارع كانت اقتراحاً مشتركاً بينه وبين أمين المجلس الأعلى للأمن القومي آنذاك علي لاريجاني في مطلع آذار/مارس، قبل ساعات من إعلان مقتل خامنئي. تولت أربع مؤسسات رئيسية، إلى جانب عشرات المؤسسات الفرعية، تنظيم التجمعات ودعمها: "الحرس الثوري"، البلديات، منظمة الإعلام الإسلامي، وهيئة الإذاعة والتلفزيون. ولا يزال هذا الدعم مستمراً.
من التعبئة إلى منبر للمتشددين
مع تراجع أعداد المشاركين وتوقف العمليات العسكرية وانتهاء شهر صفر، كان متوقعاً أن تتوقف التجمعات، خصوصاً بعدما أثار الضجيج الليلي استياء بعض المواطنين. لكن الجدل اتسع مع تحولها إلى منصة لمعارضي الدبلوماسية وأنصار استمرار المواجهة، الذين استخدموها لمهاجمة مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة. وهكذا، اكتسبت التجمعات التي بدأت كتعبير شعبي عن دعم النظام طابعاً سياسياً أوضح، وأصبحت منبراً للتيار المتشدد الرافض للتفاوض.
أثار استمرار الإنفاق عليها بعد وقف إطلاق النار اعتراضات أيضاً، وسط تساؤلات عن مسوغ استخدام المال العام لتمويلها. وتتداول أوساط إيرانية حديثاً عن مصالح مادية نشأت حول عملية التنظيم ومستفيدين يفضلون استمرارها.
يبرز عاملان أساسيان يفسران بقاء التجمعات: الأول هو الدعم المتكرر من المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، لدرجة أن المنظمين والمشاركين يؤكدون أنهم لن يوقفوها "إلا بأمر منه". والثاني هو استمرار قلق الأجهزة الأمنية والشرطية من احتمال اندلاع احتجاجات جديدة. السلطات لا تريد إخلاء شوارع المدن الكبرى، وخصوصاً طهران، من أنصارها في مرحلة ترى فيها أن أي تطور مفاجئ قد يعيد المعارضين إلى الشارع. وتظهر هذه المخاوف أيضاً في ملف أسعار البنزين، إذ لم تقدم الحكومة حتى الآن على رفعها، خشية أن يؤدي القرار إلى احتجاجات شعبية.
شارع احتياطي للنظام
يقوم تقدير صانعي القرار في إيران على احتمال عودة مواجهة خارجية بالتزامن مع اضطرابات داخلية. ومن هنا، تكتسب التجمعات المستمرة منذ أكثر من خمسة أشهر وظيفة تتجاوز إعلان التأييد للنظام. فوجود أنصاره في الشارع، حتى بأعداد محدودة ورمزية، يوجه رسالة إلى الخارج بأن النظام لا يزال يمتلك قاعدة شعبية، ويضمن في الوقت نفسه وجود قوة مؤيدة له في الميدان إذا اندلعت احتجاجات داخلية. لهذا، يرتبط استمرار التجمعات بحساب أمني وسياسي واضح، يقوم على إبقاء الشارع في يد السلطة ما دامت مخاوف الحرب والاحتجاج قائمة. حتى الآن، نجحت هذه الاستراتيجية في تحقيق هدفها. أما قدرتها على الاستمرار، في ظل تراجع المشاركة وتزايد الاعتراضات على كلفتها وخطابها السياسي، فستحددها تطورات المرحلة المقبلة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة