يوسف بزي يكشف عن روحه وقلبه في ديوانه الجديد "الشمس كلها في وجهي"


هذا الخبر بعنوان ""الشمس كلها في وجهي": يوسف بزي كما لم أعرفه من قبل" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عندما قرأت عبارة "الشمس كلها في وجهي"، أدركت فوراً أن ما بين يدي ليس مجرد كتاب، بل هو تجسيد لروح وقلب الشاعر يوسف بزي، وقد نسجها في قصائد. منذ الصفحات الأولى، وجدت نفسي أمام صوت صادق، لا يتصنع الحزن أو يستغله، بل يحوله إلى شعر بلغة مستوحاة من البحر والأزهار الليلية، مما أتاح لي اكتشاف يوسف بزي بشكل لم أعرفه من قبل.
يهرب يوسف بجسده، لكن عينيه تظلّان تبصران. يقود سيارته متجهًا "شمالاً هارباً من بيروت بيدين مرتعشتين... المطر يضرب الآرمات والطريق الزلقة"، ومع ذلك، فإن عينيه "تبصران اللامرئي". هذا المشهد يختزل تجربة كل لبناني يجد نفسه بلا واقع، أسيرًا في ذاكرته.
في قصيدة "وادي الظلال"، لا يرثي يوسف موتاه، بل يسير معهم. يلتفت يمينًا فيرى أمه، ويسارًا أباه. الموت عنده ليس نهاية، بل حضور بيننا؛ تارة يجر "تيساً أسود" وأخرى "يصلح سيارته المعطلة". هكذا هو يوسف، لا يكتب عن الحرب وقتلاها فحسب، بل يعيشها ليحولها إلى قصائد وحروف، وكأنها قنابل موقوتة انفجرت في جيل كامل. هذا هو فن الربط بين الخاص والعام.
في لحظة، ينقلك يوسف من نهر الكلب إلى غزة، وفي أخرى من مطاردة "المخابرات السورية" إلى سماع "أغنية الدبابات"، لتستيقظ من المنام وتجد نفسك "من غير اهتداء إلى نهاية". ما يميز "الشمس كلها في وجهي" هو احتضانه بين دفتيه لجمال التفاصيل وشجاعتها، بدلاً من العموميات الكبرى. يقدم لنا حياتنا في صور مثل "كاسيتات محطمة"، و"سلسلة فضية تحمل رأساً"، أو "تابوتاً وصل بالشحن الجوي". وفي هذه التفاصيل الصغيرة، يسكن حزن كبير.
لغة يوسف قوية ببساطتها، تصل إلى حد الوجع، خالية من الفلسفة أو التنميق المتكلف. يقول "لقد أضاعوا/لقد أضعتُ"، معطرة برائحة "بساتين الليمون". تستحضر القصائد ذكرى "النزهات المقدسة للمراهقين"، وتتحدث عن "دكاكين الشواء". هذا ليس مجرد تعداد للمفردات، بل تتكثف المرارة حين تُذكر أن "الأرواح تبقى على السجادة والبلاط وتحت الدرج، بعد سحب الجثث"، و"يكون ليل مغلق فوق البنايات"، والكره ثخين دبق على الأرصفة، "وصولاً إلى أعلى المآذن".
عندما يتكسر الماء على صخرة من الوجع، ويتجول الأذى طوال سنوات غابرة، يصير الشعر بسخونة الفحم ليغزل حكاية وطن تائه بأكمله، سجادة من كلمات. لكن رغم كل هذا الظلام وامتلاء الحرية بالغبار، حوّل يوسف الألم إلى قصيدة، والفقد إلى مشهد مسرحي في منامات الحالمين.
"الشمس كلها في وجهي" هو ديوان جديد ليوسف بزي، يمثل كابوساً جمعياً يصعقه الشاعر بشمسه. إنه وطن موجوع حتى اندثار البكاء، وأرواح ابتلعتها الحرب. لكن قصائده تبعث على الأمل، تتسلل كـ"صوت ليلي حيث العاصفة تحاور الكهوف"، رغم أن "الحقيقة تبقى متعذرة".
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة