لبنان
اقتصاد

غضب المجتمع: كيف يعيد تشكيل سلوك المستهلك وخريطة الإنفاق؟

النهار٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:١٢ م0 مشاهدة
غضب المجتمع: كيف يعيد تشكيل سلوك المستهلك وخريطة الإنفاق؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "عندما يغضب المجتمع... ماذا يحدث لسلوك المستهلك؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

الغضب الجماعي لا يعني بالضرورة توقف الاستهلاك، بل يعيد تشكيل أولويات الإنفاق، بدءًا من المقاطعة والبحث عن البدائل الأرخص، وصولًا إلى الشراء الاندفاعي ودعم العلامات التجارية التي تتوافق مع قيم المستهلك. العواطف، بما فيها الغضب، يمكن أن تؤثر بشكل كبير على القرارات المالية، وليس فقط على الحالة النفسية والمزاج العام. فكيف يؤثر غضب المجتمع على محرك أساسي من محركات الاقتصاد، وهو سلوك المستهلك؟

قد يدفع الغضب إلى خفض الإنفاق وتأجيل المشتريات، ولكنه في أحيان أخرى قد يقود إلى الشراء الاندفاعي أو الاستهلاك التعويضي. لذا، فإن السؤال لا يقتصر على ما إذا كان المستهلك سينفق أكثر أم أقل، بل يتعلق بماذا يشتري، وأين ينفق، ومن يكافئ أو يعاقب بأمواله.

تُظهر دراسات علم النفس الاقتصادي أن الغضب يختلف عن الخوف والقلق. فبينما يرتبط الخوف بتقديرات أكثر تشاؤماً للمخاطر وميل أكبر لتجنبها، يرتبط الغضب بتقديرات أكثر تفاؤلاً للمخاطر واستعداد أكبر للمخاطرة واتخاذ قرارات مختلفة. وفي سلوك المستهلك، أظهرت دراسة منشورة في Journal of Business Research أن الغضب الأخلاقي الناتج عن السلوك غير الأخلاقي للشركات يمكن أن يكون محفزاً رئيسياً لسلوك المقاطعة، محولاً الانفعال إلى سلوك استهلاكي مباشر. وينتقل الشعور النفسي من المستهلك إلى السوق، مؤثراً في الإنفاق بالزيادة أو النقصان. وتُعد مرحلة "كوفيد-19" مثالاً على ذلك، حيث صاحب الغضب، الناجم عن الشائعات والحقائق، تأثيرات اقتصادية.

كيف يتحول الغضب إلى تأثير اقتصادي؟

تخيل شركة تبيع منتجاً مشهوراً، ثم تقوم بعمل يراه المستهلكون غير مقبول. سيؤدي ذلك إلى غضب وفقدان ثقة وتغيير في سلوك الشراء، وبالتالي انخفاض المبيعات، خاصة مع انتشار الانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي. ففي السابق، كان غضب عدد قليل من العملاء لا يُحدث فرقاً، أما اليوم، فيمكن لغضب عميل واحد أن ينتشر خلال ساعات، مؤثراً على شريحة واسعة.

لماذا يُسمى "سلوك المستهلك في السوق الذي يتأثر بالغضب"؟

في الاقتصاد التقليدي، يُفترض أن المستهلك يتخذ قراراته الشرائية بعقلانية. إلا أن الواقع أكثر تعقيداً؛ فالعاطفة تؤثر على القرارات الاقتصادية. فعندما يكون المستهلك غاضباً من شركة، قد لا يشتري منها.

من الغضب إلى البحث عن الأرخص:

عندما يرتبط الغضب بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، يتجه المستهلك إلى إعادة ترتيب سلة استهلاكه. يبدأ بتفضيل الضروريات، والبحث عن العروض والخصومات، والانتقال من العلامات التجارية الأغلى إلى بدائل أقل سعراً، وتأجيل المشتريات الكبيرة. وتشير دراسة للاحتياطي الفدرالي الأميركي إلى أن ارتفاع الأسعار أدى إلى إعادة توجيه الإنفاق نحو الضروريات والمنتجات الأرخص.

القدرة الشرائية كأداة احتجاج:

عندما يكون الغضب موجهاً نحو شركة أو علامة تجارية، يمكن أن تتحول عملية الشراء إلى موقف اجتماعي أو سياسي. فقد يقاطع المستهلك شركة بسبب موقفها من قضية معينة، أو ينتقل إلى منافس يعتقد أنه يتوافق بصورة أكبر مع قيمه. وتكشف دراسة حديثة أن المستهلكين الذين يتوافقون مع موقف شركة من قضية اجتماعية زادوا إنفاقهم لديها بنسبة 19%، في حين خفض المستهلكون المعارضون إنفاقهم بنسبة 12%. وبالتالي، قد لا يؤدي الغضب الجماعي إلى انكماش السوق ككل، بل إلى إعادة توزيع الإنفاق بين الشركات والعلامات التجارية.

هل يمكن أن يدفع الغضب إلى الإنفاق؟

نعم، يمكن أن يتحول الغضب أحياناً إلى رغبة في الحصول على مكافأة فورية أو تحسين المزاج، خاصة في بيئة التجارة الإلكترونية التي تسهل الانتقال السريع من الانفعال إلى الشراء. وتشير دراسة في مجلة السياسات العامة والتسويق إلى أن الانفعالات السلبية يمكن أن تؤثر في القرارات الاندفاعية، وقد يصبح الشراء وسيلة للتعويض النفسي. لكن هذا التأثير ليس آلياً؛ فالغضب قد يدفع شخصاً إلى الشراء، وقد يدفع آخر إلى ضبط الإنفاق، تبعاً لسبب الغضب وشعور الفرد بقدرته على التأثير.

ثقة منخفضة... وإنفاق مستمر:

الأرقام الاقتصادية الحديثة تؤكد أن تراجع المزاج الاستهلاكي لا يعني بالضرورة انهيار الإنفاق. ففي الولايات المتحدة، تراجع مؤشر ثقة المستهلك، ومع ذلك، ارتفع الإنفاق الاستهلاكي الشخصي. وفي الاتحاد الأوروبي، ارتفعت ثقة المستهلك، لكنها بقيت دون متوسطها الطويل الأجل. هذه البيانات تكشف الفارق بين المزاج الاقتصادي والسلوك الفعلي؛ فالمستهلك قد يكون غاضباً أو غير واثق، لكنه يواصل الإنفاق مع تغيير أولوياته.

ماذا يحدث للقطاعات الاقتصادية؟

في بيئة الغضب والضغط المالي، تكون السلع والخدمات الاختيارية الكبيرة أكثر عرضة للتأجيل، بينما تحافظ الضروريات على موقعها. وقد ينتقل المستهلك من المطاعم إلى الطبخ المنزلي، ومن المنتجات الفاخرة إلى البدائل الاقتصادية، ومن السفر المكلف إلى الرحلات الأقصر. وفي المقابل، يمكن أن تستفيد بعض قطاعات الترفيه والاستهلاك الصغير من الاستهلاك التعويضي. وعليه، الغضب الجماعي لا يعني ببساطة أن الناس سينفقون أقل. التأثير الأعمق هو أن يصبح المستهلك أكثر انتقائية وحساسية للسعر، وأكثر استعداداً لتغيير العلامة التجارية، ومقاطعة شركات، أو دعم أخرى تتوافق مع قيمه. وعندما يمتزج الغضب بالخوف وعدم اليقين، يزداد الميل إلى تأجيل القرارات الكبيرة والاحتفاظ بالسيولة. أما عندما يكون الغضب مصحوباً بشعور بالقدرة على الفعل، فقد يتحول الإنفاق نفسه إلى أداة للتعبير. فإن المجتمع الغاضب لا يتوقف عن الاستهلاك بالضرورة، لكنه يبدأ في الاستهلاك بطريقة تحمل رسالة.

شارك الخبر: