الحزب الديمقراطي: من قيادة الإمبراطورية إلى الانكفاء في زواريب السياسة المحلية


هذا الخبر بعنوان "الحزب الديموقراطي ومرشّحوه: انكفاء الإمبراطورية إلى زواريبها" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتوالى الأخبار من ولايات أميركية حاسمة مثل نيويورك وميشيغن، مُعلنةً انتصارات لمرشحين تقدميين أو ممثلين لأقليات نجحوا في اختراق جدار الحزب الديمقراطي التقليدي. قد تبدو هذه الانتصارات دليلاً على حيوية الحزب وقدرته على التجدد والتنوع، إلا أن قراءة أعمق تكشف عن تحول عكسي: فبدلاً من اتساع "كونية" الحزب، نشهد انكفاءً حاداً نحو "المحلي".
تاريخياً، كان الحزب الديمقراطي هو المهندس التنفيذي للإمبراطورية الأميركية، وصاغ مؤسسات عالمية كبرى مثل الأمم المتحدة واتفاقيات التجارة الحرة، ورسخ خطاب "القيم الكونية" و"حقوق الإنسان" كأدوات لضبط إيقاع العالم. لطالما طرح الديمقراطيون أنفسهم كحراس للمعنى الشامل ورؤية كلية لأميركا كـ"ضرورة استثنائية" لقيادة العالم. وعلى الرغم من أدوار الجمهوريين في هندسة العالم عبر تاريخهم، إلا أن العقود الماضية شهدت غلبة لفكرة أن الهيمنة الأميركية تحتاج إلى شرعية ومؤسسات كونية قادها الديمقراطيون.
اليوم، ينقلب هذا المشهد. الانتصارات المتراكمة في ميشيغن ونيويورك ليست إعلاناً عن "فتح كوني جديد"، بل هي "انعزالية محلية جديدة". تُبنى هذه الانتصارات على تفاصيل ضيقة: أسعار الدواء، جودة المياه، الضرائب العقارية، ومحاسبة الإدارة الفيدرالية على مواقفها من صراعات إقليمية. تحول الناخب الديمقراطي من مُفكك للعالم بعين الإمبراطورية إلى مواطن ينكفئ في "زاويته"، ويعاقب حزبه إذا تعارضت حسابات الإمبراطورية مع مصالح حيه.
هذه الظاهرة تشكل مأزقاً وجودياً للحزب الديمقراطي. فالجمهوريون، مع تسيد التيار الترامبي، لم يتجهوا نحو "الانعزال عن العالم"، بل أعادوا تعريف الهيمنة بشعار "أميركا أولاً"، بمعنى "أميركا الحاكمة للعالم أولاً"، ولكن بأدوات تخلت عن أوهام التبشير بالقيم. تقوم العقيدة الجمهورية على الاعتراف بحق كل أمة في أن تكون ما تريد، دون فرض أنماط عيش غربية. هذا التحول الجمهوري يتسق مع واقع الصعود الآسيوي الهائل، حيث لا يمكن معاملة كتل بشرية وجغرافية عملاقة كالصين والهند وإندونيسيا كفئران تجارب. السياسة الجمهورية تقوم على مبدأ "فليحكم الصينيون والهنود أنفسهم كما يشاءون، نحن نريد إدارة تعاون تنافسي يضمن إبقاء اليد العليا لأميركا". هذا يعلن الموت النهائي للأطروحة الديمقراطية التقليدية التي جعلت من التبشير بالقيم الأميركية عكازاً لسياساتها الخارجية.
مشروع "أميركا أولاً" لا يعني تخلياً عن الهيمنة الأميركية، بل تخلٍ عن الحاجة إلى تبريرها أخلاقياً أو تحويلها لمشروع تغيير للمجتمعات الأخرى. في مقابل هذه البراغماتية الإمبراطورية الجمهورية، يبدو الحزب الديمقراطي وكأنه عاد إلى "لحظة التأسيس الأميركية الأولى"، حيث كان السجال حول حقوق "الولاية والقضاء" في مواجهة طغيان "المركز الفيدرالي". اليوم، يعود الديمقراطيون لتفكيك هذا المركز من الداخل، محولين أميركا إلى مجموع أجزائها ومقاطعاتها، لا ككيان كلي يحمل مشروعاً للعالم. إنهم يعيدون الاعتبار للولايات والأقضية والعائلات والأفراد، ولكن على حساب الأفكار الكبرى الشاملة العابرة للحدود.
أميركا اليوم دولة كونية بامتياز، تملك مفاتيح القوة الكونية. لكن الحزب الذي يُفترض به أن يملك السردية الكونية بات يُدار بعقلية "رئيس بلدية". الموظف الفيدرالي الديمقراطي في واشنطن، الذي كان يخطط لرسم خريطة العالم، بات مكبلاً بخوفه من غضب ناخبيه في زواريب ديربورن أو بروكلين. تم تفريغ السياسة الخارجية من عقلها الاستراتيجي، لتتحول إلى مجرد ردود أفعال وافتداء أجهزة الاقتراع في المقاطعات المتأرجحة.
في المحصلة، تعيش أميركا مفارقة تاريخية: إمبراطورية تمتلك مفاتيح القوة الكونية، لكن الحزب الذي كان يعبّئ هذه القوة في سردية شاملة، عاد لينشغل بإدارة مخاوف زواريب بروكلين وديربورن. لقد انكفأت القيادة الديمقراطية من هندسة العالم إلى هندسة "الأقضية"، ومن صياغة المعنى الكوني إلى فض نزاعات الضرائب والمياه والدواء. هذا الانكفاء لا يعني أن أميركا فقدت مركزها، بل يعني أن المركز نفسه فقد سرديته. فالإمبراطورية ما زالت قائمة، لكن عقلها السياسي بات يعمل بمنطق البلديات لا بمنطق القارات. السؤال اليوم ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على قيادة العالم، بل ما إذا كان الحزب الذي صاغ مشروعها الكوني ما زال قادراً على تخيّل عالم خارج حدود مقاطعاته. قد يكون هذا السؤال والإجابة عليه هو ما سيحسم شكل العالم في العقود المقبلة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة