تراجع نفوذ إيران وميليشياتها: نهاية حقبة الاستثمار الإقليمي


هذا الخبر بعنوان "في انحسار مكانة إيران وأذرعها الميليشياوية" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تواجه إيران، التي بنت نفوذها الإقليمي عبر أذرعها الميليشياوية، تراجعاً في مكانتها بعد حروب أضعفت حلفاءها وكشفت حدود قوتها وسرديتها في الشرق الأوسط والعالم. في صورة تعود إلى 8 حزيران/يونيو 2026، تظهر مؤيدة للحكومة الإيرانية تلوّح بعلمي إيران و"حزب الله" خلال تجمع ليلي في شمال طهران.
استطاعت إيران التحول إلى دولة إقليمية مهيمنة في الشرق الأوسط لعقدين من الزمن، لكن ذلك لم يكن بسبب قوتها الاقتصادية أو التكنولوجية أو العسكرية، أو قوة النموذج الذي مثلته كدولة، بل نتيجة توافر عوامل عديدة. أولاً، الاستثمار الأميركي والإسرائيلي في الدور الوظيفي الذي اضطلعت به إيران في محاولاتها لفرض هيمنتها عبر أذرعها الميليشياوية المسلحة، مما أدى إلى تقويض الاستقرار السياسي والاجتماعي في دول المشرق العربي، لا سيما في العراق ولبنان، بما يتماشى مع مصلحة إسرائيل. ثانياً، غياب محور عربي فاعل بسبب غياب التوافق بين الدول العربية على الحاجات والأولويات. ثالثاً، قيام الولايات المتحدة بغزو العراق عام 2003 وتسليمه على بياض للميليشيات التابعة لإيران. رابعاً، التعنت الإسرائيلي إزاء عملية التسوية، مما مكّن إيران من ركوب القضية الفلسطينية وادعاء "المقاومة والممانعة"، بخاصة مع تقديمها الدعم غير المحدود لـ"حزب الله" في لبنان. خامساً، تعامل الإدارات الأميركية بنوع من اللامبالاة إزاء ما تفعله إيران وميليشياتها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، باعتبار ذلك يخدم سياساتها في اتجاهين: الأول، ضمان أمن إسرائيل لمدى بعيد بسبب الخراب الحاصل في دول المشرق العربي. والثاني، استخدام الخطر الإيراني كفزاعة في وجه بعض الأنظمة العربية لدفعها نحو طلب الحماية الأميركية، والانفتاح على إسرائيل والتطبيع معها، أو إدخالها في نوع من نظام إقليمي مشترك سياسي وأمني واقتصادي.
لكن كل ذلك لم يدم طويلاً، إذ انتهت فترة الاستثمار الأميركي التي امتدت طوال عقدين من الزمن (2003-2025) بعدما انتهت فاعليتها، مع كل التطورات الحاصلة في الشرق الأوسط. تحولات أنهت مرحلة الاستثمار في الدور الإيراني، بيد أن ذلك تم أيضاً بدفع من عاملين رئيسيين. أولاً، عملية "طوفان الأقصى" التي أدت إلى توحش إسرائيل إزاء الفلسطينيين وسعيها لكسر النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، بما في ذلك ضرب أذرعها الميليشياوية. وثانياً، محاولة النظام الإيراني الاستحواذ على قوة نووية وصاروخية. وثمة عامل ثالث مستجد، تمثل بمحاولة إيران خنق الاقتصاد العالمي باستخدام مضيق هرمز كسلاح في يدها، مع تهديد دول الجوار في الخليج العربي.
المفارقة هنا أن عملية "طوفان الأقصى"، المفاجئة والقوية، التي شكّلت ذروة الخيار العسكري الميليشياوي لمعسكر "المقاومة والممانعة" بزعامة إيران، مع إسناد "حزب الله" لـ"حماس" في غزة، والقصف الصاروخي ضد إسرائيل من الحوثيين في اليمن، ومن الفصائل في العراق، مع امتشاق شعار "وحدة الساحات"، كانت أيضاً ذروة إخفاق إيران والميليشيات التابعة لها. فقد استطاعت إسرائيل، في غضون ثلاثة أشهر، تقويض قوة "حزب الله"، وتدمير قدرات الجيش السوري بعد انهيار نظام الأسد (كانون الأول/ديسمبر 2024)، وتحجيم نفوذ الميليشيات العراقية. أيضاً، لم تتوقف الولايات المتحدة وإسرائيل عند هذا الحد، إذ قامتا بشن حرب على إيران على مرحلتين، وشنتا في مرحلة ثالثة هجمات في شهر تموز/يوليو الماضي، وهي حرب لم تنته بعد.
في صورة أخرى، يظهر متظاهرون في بغداد يرفعون أعلام إيران والعراق.
خسارة السردية والمكانة الإقليمية:
ربما إن أكثر ما خسرته إيران في تلك الحرب المستمرة هو سرديتها عن ذاتها على الصعيد الإقليمي والدولي، وأمام شعبها. فقد بنت صورتها طوال العقدين الماضيين باعتبارها دولة قوية لا تُقهر، ليس في مواجهة إسرائيل فقط، بل حتى في مواجهة الولايات المتحدة، هذا إضافة إلى ادعائها بإمكان محو إسرائيل في ظرف أيام، إذ إن كل تلك الادعاءات تبين أنها شعارات سرعان ما فقدت صدقيتها في اختبار التجربة. أيضاً، فهي خسرت صورتها ومكانتها كقائد لمحور "المقاومة والممانعة"، بعدما نأت بنفسها عن حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل ضد غزة طوال عامين، تاركة "حماس" لمصيرها، كما نأت بنفسها عن دعم "حزب الله"، درة التاج في ميليشياتها في المنطقة، بعد الضربات القاسية التي وجهتها إسرائيل له في خريف العام 2024.
على الصعيد الخارجي، فإن خسارات إيران تشمل انكشاف فكرتها عن عالم متعدد الأقطاب وقرب انهيار الولايات المتحدة، إذ تبين أن مجموعة دول "بريكس"، أي الصين والهند وروسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا، غير فاعلة، ولا تستطيع شيئاً إزاء ما تريده أو تفعله الولايات المتحدة، لا سياسياً ولا اقتصادياً ولا تكنولوجياً ولا عسكرياً. في المحصلة، خسرت إيران كثيراً، ويُحتسب في ذلك الخسائر البشرية والمادية، ومنشآت البرنامج النووي، وقطاعات من البنى التحتية، فضلاً عن أن منع إيران للملاحة في الخليج انعكس عليها سلباً بقيام الولايات المتحدة بفرض الحصار المطبق على موانئها، مع وجود أكبر حشد عسكري أميركي في المنطقة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة