اليمن على حافة الحرب مجدداً: ما وراء تجدد الصراع بين الحكومة والحوثيين؟


هذا الخبر بعنوان "اليمن يعود إلى الحرب... لماذا انفجرت جبهة الحكومة والحوثيين الآن؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد فترة هدوء نسبي استمرت نحو أربعة أعوام، عادت الجبهة الداخلية في اليمن لتشتعل باشتباكات عنيفة بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي. هذه التطورات الميدانية السريعة تتطلب متابعة دقيقة لأسبابها وتوقيتها، خاصة في ظل مرحلة إقليمية حساسة. مع عودة التصعيد، تبرز أهمية استراتيجية لموقع اليمن، مما قد يجعل تطوراته عنصراً فاعلاً في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية.
تنبثق الأهمية الاستراتيجية لليمن من موقعه الجغرافي الفريد، حيث يقع على الضفة الشرقية لمضيق باب المندب، وهو ممر مائي حيوي يربط بحر العرب بالبحر الأحمر ويعد من أهم طرق التجارة العالمية بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا. كما يحد اليمن من جهة الجنوب المملكة العربية السعودية، ويقترب من منشآتها النفطية الحيوية. هذه العوامل تمنح اليمن وزناً خاصاً في السياق الإقليمي. فبينما تشكل مضيق هرمز ورقة ضغط إيرانية رئيسية على أسواق الطاقة والملاحة، يمكن لطهران استغلال قدرات حلفائها الإقليميين لتوسيع دائرة الضغط، ويأتي الحوثيون في قلب هذه المعادلة بفضل موقعهم وقدراتهم العسكرية وقربهم من باب المندب والسعودية.
يمكن استخدام ورقة الحوثيين عبر مسارات متعددة: أولها، تهديد الملاحة في مضيق باب المندب، الذي يمر عبره يومياً ملايين البراميل من النفط والمنتجات النفطية. ثانيها، استهداف منشآت الطاقة السعودية، خاصة وأن طرق التصدير عبر البحر الأحمر اكتسبت أهمية متزايدة للسعودية مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. ثالثها، إعادة تنشيط الجبهة ضد إسرائيل، حيث تمتلك الجماعة صواريخ باليستية ومسيرات قادرة على الوصول إلى الأراضي الإسرائيلية، وكانت مدينة إيلات هدفاً متكرراً لهجماتها. بالتالي، فإن تأثير الورقة الحوثية يتجاوز حدود اليمن ليشمل الملاحة والطاقة والأمن الإقليمي.
بدأ انهيار الهدوء الذي ساد منذ هدنة 2022 بشكل واضح في يوليو الماضي، عندما استهدفت القوات الحكومية اليمنية مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية كانت تقل وفداً حوثياً عائداً من إيران. اتهم الحوثيون السعودية بالوقوف خلف الهجوم، ثم صعّدوا عسكرياً وأعلنوا حظراً بحرياً على السفن السعودية، واستهدافوا مواقع داخل المملكة، حسبما أفاد أحمد ناجي، مسؤول الشؤون اليمنية في مجموعة الأزمات الدولية. لكن المعركة الحالية دخلت مرحلة جديدة في 3 سبتمبر، عندما شن الحوثيون هجوماً واسعاً ومتعدد المحاور في غرب تعز وجنوب الحديدة، مستخدمين الصواريخ الباليستية والمسيّرات والقوات البرية، في محاولة للتقدم نحو مواقع استراتيجية قريبة من الساحل وطريق تعز–المخا والمناطق المطلة على باب المندب. ردت القوات الحكومية بهجوم مضاد، واستعادت مواقع خسرتها، وأدخلت طيرانها الحربي بشكل أوسع إلى المعركة.
يرى ناجي أن ترابط الجبهة اليمنية الداخلية بالاشتباك الإقليمي يفسر أهمية توقيت المعركة. فالضغط العسكري على الحوثيين داخل اليمن يحد من قدرتهم على تركيز جهودهم على السعودية وباب المندب، ويصعّب عليهم استخدام المضيق كورقة ضغط موازية لما يحدث في هرمز. كما أن منع الحوثيين من توسيع مناطق سيطرتهم باتجاه الساحل يحد من قدرتهم على تهديد الملاحة ومنشآت الطاقة السعودية.
تتمتع جماعة الحوثي بترسانة من الصواريخ الباليستية والمسيّرات، وتتميز بتماسك قيادتها ووحدة قرارها، بالإضافة إلى خبرتها وأفضليتها في المعارك الجبلية. في المقابل، وسعت القوات الحكومية استخدام المسيّرات وأعادت استخدام طيرانها الحربي في عمليات هجومية وإسناد القوات البرية، وهو ما يعد تطوراً عسكرياً مهماً. كما تضم الجبهة المناهضة للحوثيين قوات ذات تسليح وخبرة قتالية كبيرة، مثل ألوية العمالقة وقوات المقاومة الوطنية، وتملك عدداً أكبر من المقاتلين. إلا أن هذا المعسكر يعاني ضعف التنسيق بين مكوناته وتعدد مراكز القرار.
تحاول السعودية إبقاء تدخلها العسكري المباشر محدوداً، لكنها لم تبقَ خارج المواجهة تماماً. فقد نفذ التحالف بقيادتها ضربات على مواقع حوثية في الحديدة في يوليو رداً على استهداف الملاحة السعودية، كما تحدثت تقارير عن غارات استهدفت مواقع للحوثيين خلال المعارك الأخيرة. لا ترغب الرياض في توسع الصراع اليمني وتحوله إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، بما يمنح إيران فرصة لتوسيع نطاق الحرب عبر الحوثيين، وتجنب سيناريو يستدعي تدخلاً إيرانياً أكبر ويحول اليمن مجدداً إلى ساحة مواجهة إقليمية مباشرة.
لم تظهر حتى الآن مبادرة قادرة على وقف المعارك الحالية، رغم استمرار قنوات الأمم المتحدة وعُمان ومساعي التهدئة التي سبقت هذا التصعيد. ويتوقع استمرار اشتباكات أكثر حدة في الأمد القريب، حيث لا تزال الجولة الحالية من الحرب في بداياتها. فالحكومة والحوثيون يتعاملون مع المواجهة باعتبارها معركة حاسمة على مواقع استراتيجية. وما دام الصراع لم يتسع بصورة أكبر ليهدد أمن الطاقة والملاحة الدولية، يرجح أن يبقى الضغط الخارجي لفرض تسوية محدوداً.
تتركز العمليات الحكومية حالياً على استعادة المواقع التي تقدم إليها الحوثيون في غرب تعز وجنوب الحديدة، وتأمين الطريق المؤدي إلى المخا والمناطق القريبة من باب المندب. تتمتع القوات الحكومية بأفضلية أكبر في المناطق الساحلية والمفتوحة، مقارنة بالمناطق الجبلية التي تمنح الحوثيين قدرة أفضل على الدفاع والمناورة. في المقابل، يسعى الحوثيون إلى السيطرة على المرتفعات المطلة على طرق الإمداد والساحل، لما تمنحه هذه المواقع من قدرة على تهديد المخا والمناطق المحيطة بباب المندب والملاحة في البحر الأحمر. يأتي التصعيد الداخلي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، والمعركة ما زالت مفتوحة على احتمالات واسعة، وخصوصاً إذا تحولت محاولة الحوثيين الاقتراب أكثر من باب المندب إلى دافع لتوسيع الدعم الخارجي للقوات الحكومية. وعندها، لن تبقى المواجهة مرتبطة بميزان القوى داخل اليمن وحده، إذ ستصبح السيطرة على الساحل وباب المندب جزءاً مباشراً من الصراع الأوسع على أمن الملاحة والطاقة في المنطقة.
سياسة
تكنولوجيا
سياسة
سياسة